محمد أبو زهرة

3775

زهرة التفاسير

ورائه محيط ، ويكون الجزاء لمن ضل عن سبيله جزاء وفاقا لما جنى على نفسه ، وعلى الحق ثم يقول سبحانه : إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ . الضمير في خَلَقَهُمْ يصح أن يعود إلى الناس ، ويكون الاستثناء في قوله : إِلَّا مَنْ رَحِمَ استثناء من الاختلاف ويكون المعنى ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة في الهداية والتقوى والفضيلة ، ولكنه لم يشأ ذلك إلا في الذين رحمهم ، وتكون ( اللام ) للتعليل ، أي أن اللّه تعالى خلق الناس متنازعين في الخير والشر ، ولا يهتدى إلى الخير إلا الخلصاء الأطهار ، ولذلك خلق الناس مختلفين لتبين الصفوة ، ولتصل إلى الخير في وسط أشواك من الباطل فيكون لهم فضل الجهاد في الوصول إلى الحق . ويصح أن يعود الضمير إلى قوله تعالى : إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي المستثنى ويكون المعنى كالأول في نتيجته ، وغايته أي أن اللّه تعالى خلق الناس مختلفين متعاركين يخلص الصفوة المرضية ، ولأجل تلك الصفوة ، والمؤدى في التخريجين أن اللّه تعالى خلق الناس كذلك ليميز اللّه الخبيث من الطيب ، كما قال تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . . . ( 179 ) [ آل عمران ] . وإن القلة التي يرحمها اللّه بالإيمان ، والكثرة هي تكون في النار ، ولذا قال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . أشار سبحانه وتعالى إلى الذين رحمهم اللّه تعالى ، وفي هذا النص يذكر الذين عصوا أمر ربهم ، والرحمة بهم ليست من عدل اللّه ، لأنهم لم يرحموا أنفسهم ، ومن لا يرحم لا يرحم ، فقال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ .